شكيب أرسلان
16
الرحلة الحجازية ( الارتسامات اللطاف في خاطر الحاج إلى أقدس مطاف )
فاضطربت بها بعض دول الاستعمار « 1 » ، وزلزلت زلزالا شديدا ، حتى قيل لنا : إنّها أغرت حكومة سورية « 2 » بمنع نشرها فيها ، وهي أحقّ بها وأهلها ، فانفردت بهذه العداوة للإسلام دون من أغروها بها . ولما كان سماح الأمير حفظه اللّه لي بهذا وذاك إعلاما لقارئي « الرسالة » و « الرحلة » بما بيننا من الأخوة الإسلامية الصادقة ، والاتفاق في المقاصد الإصلاحية النافعة للأمة العربية والشعوب الإسلامية ، التي نفخ روحها في كلّ منّا شيخنا الأستاذ الإمام الشيخ محمد عبده بالتّبع لأستاذه موقظ الشرق وحكيم الإسلام السيد جمال الدين الأفغاني ، قدّس اللّه روحهما ، وأجزل ثوابهما . هذا وإنّ الأمير - أمتع بعلمه وعمله ، ولسانه وقلمه - قد وضع للرحلة حواشي كثيرة ، عزوتها إليه في مواضعها ، وكان يجب أن أشير إلى ذلك في ديباجتها ، ولكنني ما علمت بها إلا عند بلوغ أول حاشية منها « 3 » . وقد كان لي وقفة ونظر في اقتراحه على الحكومات المختلفة في الدين والسياسة أن تشدّد على حجّاج بلادها الفقراء ، فيما تفرضه من الشروط للسّماح لهم بالّسفر إلى الحجاز ، لا لأنّ هذا الاقتراح منكر في نفسه ، بل لأنّ الحكومات الاستعمارية التي تكره للمسلمين - المرزوئين بسيطرتها عليهم - أن يؤدوا هذه الفريضة ، لم تقصّر في إرهاقهم بالشروط المالية والصحيّة ، بل أنا أعلم علم اليقين أنّ جميع الدول الاستعمارية تمقت قيام المسلمين بهذه الفريضة ، وتتعاون على صدّهم عنها بما تستطيع من حول وحيلة ، ولولا مال بواخرها وتجارتها من المنافع من نقل الحجّاج لكان تشديدهم في الصدّ أكبر ، ولكن
--> ( 1 ) [ فرنسة ] . ( 2 ) [ الخاضعة آنذاك للانتداب الفرنسي ] . ( 3 ) [ وضعت عقب تعليقات السيد محمد رضا رشيد رحمه اللّه تعالى كلمة ( مصححه ) تمييزا لها عن تعليقات الأمير ، أما تعليقاتي فهي بين حاصرتين ] .